|
حقيقة الحرب على العراق، أسلحة الدمار الشامل العراقية، البترول وبسط السيطرة الإمبريالية ما العمل ؟ …........... بناء حركة عالمية مناهضة للحرب ! مقابلة مع جلبير الأشقر – أستاذ العلوم السياسية بجامعة باريس 8 سان دونيه * ما رأيك في حجة بوش حول امتلاك العراق أسلحة دمار شامل لتبرير الحرب ؟ جلبير الاشقر : جلي أنها ذريعة وليست حجة ، بمعنى ان الاتهام موجه منذ البداية دون دلائل . فمرارا منذ بدء عمليات مفتشي الأمم المتحدة اكد عدة مسؤولين أمريكيين ( دونالد رامسفيلد بوجه خاص ) ان لا طائل من عمليات التفتيش، وانها لن تأتي ببرهنة على انعدام أسلحة دمار شامل لدى العراق . وهذا ينضاف الى منطق مفاجئ للغاية يقضي بأن على العراق البرهنة على عدم امتلاكه لها . وجلي طبعا ان البرهنة على عدم امتلاك شيء امر مستحيل.
اذن كانت عملية المفتشين بكاملها مفتعلة لغاية ربح الوقت، لانه يتعين مواصلة نشر الجنود والعتاد ، ولغاية إيهام الرأي العام الأمريكي بوجه خاص ان الولايات المتحدة الأمريكية قد تكلفت فعلا ، قبل دخول الحرب، عناء اعتماد مسطرة قانونية بنظر القانون الدولي. أي بعبارة أخرى ان النتيجة محددة سلفا . فاذا اكتشف المفتشون خرقا ما فان للولايات المتحدة الأمريكية حق شن الحرب وان لم يسفر التفتيش عن نتيجة فليس ذلك دليلا على أي شيء لان عدم العثور على شيء ما لا يدل على انعدامه . وقد حاول كولن باول بدوره ، أمام مجلس الأمن ، ان يبرهن على ان لا فائدة ترجى من المفتشين لانه قبل وصول المفتشين الى مكان ما ثمة تنقيل للمعدات … نرى إذن كيف ان الأمر مجرد ذريعة لحرب مقررة مبدئيا منذ أمد طويل . وعلى خلفية الاتهام يجب دوما التذكير ، فيما يخص السلاح النووي، افتك أسلحة الدمار الشامل ، أن حتى واشنطن لا تدعي امتلاك العراق لها . فالرئيس بوش كان في خطابه شهر سبتمبر امام مجلس الامن قد أفاد انه في حال حصول العراق على المادة القابلة للانشطار ( اليورانيوم ) فسيتمكن من صنع السلاح النووي في ظرف سنة . وهذا اعتراف ان العراق لا يملك لا السلاح النووي ولا الماداة القابلة للانشطار . وهذا يوضح بجلاء ذلك المفهوم بالغ الفرادة حول «الحرب الوقائية » والذي لا يقضي باستباق عدو يبدى نية الهجوم بل بشن حرب على عدو تعزى اليه نية امتلاك أسلحة لم يمتلكها بعد . اننا في عالم العبث الأكثر شمولا . اما الأسلحة الكيميائية والبيولوجية فقد امتلكها العراق طيلة سنوات عديدة بل واستعملها ضد الأكراد ، في الشمال ، وضد الجنود الإيرانيين ابان الحرب العراقية- الإيرانية . وآنذاك لم يثر الأمر أي استنكار من العواصم الغربية . ومن جهة أخرى كانت شركات غربية هي من زود ، تحت أنظار القوى الغربية ، النظام العراقي بمعدات صنع تلك الأسلحة . ومذاك تم إخضاع البلد لسبع سنوات من عمليات الأمم المتحدة التفتيشية التي خربت المخزونات . وحتى بافتراض بقاء شيء منها بالعراق فان عدم امتلاك هذا الأخير لصواريخ ناقلة يفرغ الأمر من أي تهديد لمحيط البلد ناهيك عن الولايات المتحدة الأمريكية التي تمتلك ، مثل إسرائيل ، ترسانات ضخمة من أسلحة الدمار الشامل . ونضيف ان حجة إرساء الديمقراطية هي أيضا مسخرة لان اغلب الأنظمة الاستبدادية العربية بالمنطقة وثيقة الارتباط بواشنطن . · والحالة هذه ، ان كان ذلك نفاقا فما هي رهانات إدارة بوش الحقيقية ؟ جلبير الاشقر : الرهانات الحقيقة جرى توضيحها مرارا. إنها أولا وقبل كل شيء البترول. فالعراق ثاني بلد في العالم من زاوية الاحتياط البترولي بعد المملكة السعودية. علاوة على ان إنتاج العراق يوجد اليوم في مستوى ثلث طاقة إنتاج البلد الموضوعية ،بينما يتعين رفعه في السنوات المقبلة لتفادي ارتفاع فائق للأسعار. لكن زيادة إنتاج البترول العراقي تستدعي رفع الحصار على نحو يتيح إعادة تشييد البنى التحتية وتحديثها . ولرفع الحصار تضع واشنطن كشرط لابد منه تغيير النظام وبنفس المناسبة إلغاء الامتيازات التي منحتها بغداد في السنوات الأخيرة للمصالح البترولية الفرنسية والروسية . المقصود اذن ضمان الفوز بحصة الأسد في استغلال نفط العراق . بالإضافة الى ما تمثله من سوق ضخمة عملية إعادة تعمير العراق المخرب رأسا على عقب سنة 1991 والذي لم يتمكن من إعادة البناء فعلا بسبب الحصار . تلك هي الرهانات الحقيقية . ما بعد ذلك تمثل خطوة الولايات المتحدة الأمريكية الإضافية هذه على سبيل التحكم باحتياطات البترول العالمية دعامة إضافية لما تمارسه من سيطرة عالمية بوجه مجموع منافسيها المحتملين ، ومنهم من جهة اخرى القوى العميلة المتمثلة في أوربا الغربية واليابان الأشد تبعية لبترول منطقة الخليج من الولايات المتحدة الأمريكية . · لا تكفي القنابل لتنصيب نظام جديد ، فما هي اذن خطط ادارة بوش ؟ جلبير الاشقر : من المعروف منذ بدء استعدادات الحرب ان الولايات المتحدة تنوي الاستقرار عسكريا وبشكل دائم بالعراق . وكانت قبل اشهر تنظر في أمر الجمع بين انزال عسكري وتنصيب حكومة عميلة لكن مكونة من نوع من التمثيل الاثني لسكان العراق . لكن بما ان المعارضة العراقية التي حاولت الولايات المتحدة الأمريكية تنظيمها باهتة الصورة ، وبما أن القوة التي تبدو مهيمنة في المعارضة – المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بالعراق - و تقبل التعامل مع واشنطن هي شديدة الارتباط بطهران ، فيبدو ان الاتجاه سائر حاليا نحو حكم عسكري مباشر للبلد ، في انتظار تنصيب حكومة قادرة شيئا ما على تدبير الوضع تحت مراقبة الولايات المتحدة الأمريكية . انه اكبر فرق بين حرب الخليج الاولى سنة 1991 والوضع الراهن . ان كانت الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1991 لم تطح صدام حسين ، فلأن الوضع العالمي والوضع الداخلي يمنعان كل وجود عسكري . وآثرت واشنطن إبقاء صدام حسين في السلطة تفاديا لإفلات الوضع العراقي من تحكمها وتزعزع المنطقة . أنذاك قامت واشنطن بتفادي ضرب الحرس الجمهوري ، حرس الطاغية المكلف بالحفاظ على النظام . وبوجه الانتفاضة التي اندلعت في البلد بعد توقف الحرب في مارس 1991 أتاحت الولايات المتحدة للنظام سحق التمرد في الدم في بؤرتيه الرئيسيتين جنوب البلد وشماله ، لا بل انسحب جيش الولايات المتحدة الأمريكية لترك معبر للحرس الجمهوري ، وسمحت الولايات المتحدة الأمريكية للنظام العراقي باستعمال طائرات مروحية لممارسة القمع في الشمال وفي الجنوب . وأدى ذلك الى سقوط عشرات آلاف القتلى . ويعود سعي الولايات المتحدة الأمريكية حاليا الى إسقاط صدام حسين الى كونها تعتبر الوضع العالمي قد تبدل – باتساع المسافة بينها وباقي العالم لا سيما على الصعيد - وكذا الوضع الداخلي . فقد فسرت واشنطن المناخ السياسي المترتب عن 11 سبتمبر بما هو إمكانية مفتوحة لحقبة طويلة من عمليات التدخل العسكري من جانب الولايات المتحدة الأمريكية تكاد تكون لا محدودة بذريعة محاربة الإرهاب . · بعد أفغانستان ها هي العراق … يبدو ان الولايات المتحدة الأمريكية منخرطة في انتشار عسكري على كامل الكوكب جلبير الاشقر : تماما . اذ شرعت الولايات المتحدة الأمريكية منذ 11 سبتمبر بنشر تغطية للكوكب برمته بشبكة قواعد عسكرية واقامة عسكرية مباشرة وتحالفات ، او كلاهما . وبذريعة حرب أفغانستان أرست قواعد عسكرية في صلب آخر مناطق كانت لاتزال تحت نوع من الفيتو الروسي أي اسيا الوسطى . وهي تضع أرجلها في حوض بحر قزوين وهي منطقة بالغة الأهمية فيما يخص المحروقات و منطقة استراتيجية ايضا لوقوعها في صلب الكتلة القارية الممتدة من روسيا الى الصين وهما بلدان يعتبران خصمين محتملين . كما جرت مؤخرا دورة جديدة لتوسيع حلف شمال الأطلسي ضمت جمهوريات سوفياتية سابقة . واذا أضفنا الى ذلك كله كامل برنامج التدخل العسكري الذي سطرته ادارة بوش نصل فعلا الى درجة غير مسبوقة من التوسع العسكري للولايات المتحدة الأمريكية التي باتت متدخلة عسكريا في الفلبين وكولومبيا والقرن الأفريقي واليمن ، وتهدد ايران وكوريا الشمالية البلدين المندرجين مع العراق فيما يسميه بوش «محور الشر» كما تبذل جهودا دائمة لإطاحة نظام تشافيز بفنزويلا . منذ نهاية الحرب الباردة وواشنطن ترمي الى توسيع الهوة العسكرية التي تفصلها عن باقي العالم لدرجة انها تنفق وحدها 40 % من النفقات الحربية العالمية ، وتتجه نحو وضع تنفق فيه معادل ما تنفقه بقية العالم . كل هذه القوة الفائقة ليست كلية القدرة . فثمة عقب آخيل أي قوة من شأنها كبح الة الحرب تلك وقلب ذلك الانحراف الاحترابي، انها شعب الولايات المتحدة الأمريكية . وقد سبق له ان برهن ، إبان حرب فيتنام ، على قدرته على كبح الة الحرب ومنع حكومات الولايات المتحدة الأمريكية من التمادي في المجازر وفرض سحب القوات الأمريكية من فيتنام . . وأدت تلك التعبئة الى كبح الة الحرب الأمريكية الى غاية حرب الخليج الأولى ومنع استعمالها بشكل واسع . يمكن اذن ان نجد مبررا للأمل في الكيفية المثيرة التي نمت بها الحركة المعادية للحرب بالولايات المتحدة الأمريكية في الأشهر الأخيرة . لم يكن أحد يتخيل ، بعد عام بالكاد عن 11 سبتمبر ، ان يتجاوز حجم الحركة كل ما شهدته منذ عودة واشنطن الى العمليات العسكرية الضخمة . وما يزال تقدم الحركة المناهضة للحرب متواصلا . وهو ممتزج بتجذر الشباب المعبر عنه بوجه خاص بالحركة من اجل عولمة اخرى . . بعد قول هذا ، وبالنظر للآجال ، يبدو ضعيفا جدا احتمال الحيلولة دون الحرب ضد العراق . لكن تفاديا لأي إحباط للمعنويات يتعين اليوم الانطلاق جيدا في منظور بناء حركة مناهضة للحرب طويلة الأمد لأننا إزاء برنامج تدخلات عسكرية طويلة الأمد . لقد أعلنت واشنطن ان الحرب ضد الإرهاب " ستدوم عقودا عديدة " . يجب النجاح في بناء حركة لعرقلة تلك الآلة ومنع استمرار النهج العدواني لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية . 13 فبراير 2003 اطلبوا من المكتبات : مؤلف جلبير الأشقر صدام الهمجيات : الارهاب ، الارهاب المقابل والفوضى العالمية قبل 11 ايلول وبعده – دار الطليعة بيروت – 2002 قيل في هذا الكتاب : « متوازن وغير مساوم ، عميق المعرفة ومليء بالنظرات المثيرة والتحاليل الحصيفة » - نعوم تشومسكي « التحليل الأقوى والأكثر دقة الذي يمكن أن ُيقرأ حول هذه الحرب » - بول ماري لاغورس (لوموند ديبلوماتيك ) |