|
الكاتب/ عنيف جديد و دانيال بنسعيد
|
|
14/01/2008 |
|
سياق مأزوم لرهانات تستحق المخاطرة ما الذي يعكسه الاجتياح الأميركي للعراق؟ كي لا يجر الانزلاق الى تفسير حتموي اختزالي يجدر بنا ألا ننسى الجانب الحدثي في تتابع الأحداث: كان بإمكان بوش أن يخسر انتخابات لم يربحها إلا بفارق ضئيل يحوم من حوله شبح التزوير، وكان يمكن لاعتداءات الحادي عشر من أيلول أن تفشل. باختصار، ليس التاريخ مؤامرة واسعة يحيكها محرك للدمى، كما أن التاريخ ليس في المقابل مسرحاً بلا معنى للضجيج والهلع. هناك منطق للحدث. للأمور اللامعقولة أسباب تعقلها. من وجهة النظر هذه، يمكن فهم أن الحرب ضد العراق سبق وأعلنت بشكل مزدوج. فمنذ عام 1989، انطلقت عملية إعادة تنظيم الكوكب على نطاق واسع، وأصبح من الممكن إجراء تقاسم جديد للأراضي والثروات بعد أن أطيح بالتوازن الهش لفترة ما بعد الحرب (العالمية الثانية). وكان من الواضح أن عملية إعادة التنظيم هذه ستكون عنيفة، فمنذ صيف العام 1990 باشرت الولايات المتحدة في إعادة تحديد وسائل ومهمات قواتها المسلحة.
يبرز في هذا المقام بعدٌ جيوسياسي لمنطق الحرب، وهو بعد تربطه علاقة غير ميكانيكية مع لهاث التراكم الرأسمالي على المدى الطويل، فقد بقيت الإنتاجية متواضعة رغم سراب الاقتصاد الجديد وارتفاع معدلات الربح عن مثيلاتها في الثمانينيات والتسعينيات زمن الإصلاحات المضادة النيوليبرالية. لم يعد النمو الاقتصادي أبدأ الى مستويات ما قبل 19751974، علماً أن هذه المشكلة لا تختزل في ثنائية الرأسمال والعمل، ذلك أن فتح طور جديد للتوسع الرأسمالي يتطلب شروطاً كثيرة، سياسية ومؤسساتية ونقدية، لا غنى عنها لتعديل الشروط العامة لتراكم رأس المال. يبدو ثانوياً وتأملياً التفكير في هذا السياق بمصطلحات <<الهروب إلى الأمام>> أو بالمبالغة في تقدير أزمة السيطرة الإمبريالية (حتى لو بدا لنا أن إدارة يقودها آل غور مثلاً كانت ستتعامل على نحو مغاير مع أحداث 11 أيلول). والحق، إن زوال الثنائية القطبية السياسية العسكرية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي يحرر اتجاهات طاردة بين (الدول الإمبريالية) بما يناقض الهذيانات النظرية القائلة بالأولترا إمبريالية. لا ينبغي التقليل من أهمية الريبية الكامنة في وجهة نظر الحكام الأميركيين، بيد أن الأهداف التي أظهرتها الحرب الأخيرة كانت على مستوى خطورة المراهنة: فمن التحكم بالثروات والطرق النفطية، إلى إعادة توزيع الأوراق الجيوسياسية في آسيا الوسطى والشرق الأوسط، إلى تعديل العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وترتيب مؤسسات العولمة من جديد (أمم متحدة، حلف شمال أطلسي، منظمة تجارة دولية). بعيد حرب الخليج الأولى، اتهم آلان جوكس أميركا بالقرصنة حين جعلت الحرب لعبة مربحة يمولها الحلفاء. قد نوافق مع جوكس لجهة الاشارة الى التفاوت بين التفوق العسكري الأميركي وبين الهشاشات البنيوية النسبية (الاستدانة، العجز في الميزان التجاري، العجز في الميزانية)، إلا أنه ينبغي التأكيد على الطابع السياسي لمفهوم الإمبريالية الذي غالباً ما يختزل إلى مجرد علاقة اقتصادية، فاستحواذ فائض القيمة يقترن باحتكار الثروات (من طاقة ومال ومعرفة) كما أنه يقترن بالهيمنة السياسية (المندرجة من ضمن الأواليات المؤسسية) فضلاً عن التفوق العسكري (التسلح والقواعد والأحلاف). هل يفضي هذا الوضع الى عودة النزاعات بين الدول الإمبريالية أم الى شقاقات تكون من نمط جديد؟ طمست وكبتت هذه النزاعات في مرحلة الحرب الباردة، أو بدت غير مرئية، وكل ذلك باسم حالة الطوارئ العامة التي فرضها التضامن <<الغربي ضد الخطر الأحمر. بيد أن هذه النزاعات لم تضمحل رغم هبوط الإمبرياليات الأوروبية في السلم التراتبي مقارنة بالصعود الماحق للزعامة الأميركية. لم تعدم التوترات الظرفية: مصاعب <<اقتصادية>>، منافسة متحدمة، فقدان الإحالة الغربية (الجامعة) الى وظيفتها، تفلت النزعات الطاردة. وعلى هذا النحو، يمكن أن نشهد في الأشهر القادمة مزيدا من الاغراءات الحمائية والخصومات التجارية، لكن من الصعوبة تخيل أن تتصاعد هذه التوترات وصولاً الى النزاعات المفتوحة، وبأبعد حد العسكرية. هذا لا ينفي أن القوى الحليفة والمتنافسة في آن يمكن أن تتواجه فعلاً بطريقة غير مباشرة، وبطريقة مائلة في الأطراف، سواء من أجل اقتسام أفريقيا من جديد أو من أجل إعادة إعمار العراق. يصعب تقدير إلى أي حد يمكن أن تصل هذه النزاعات، فهذا أمر يبقى مرتبطاً بدرجة الاندماج والتركز الإقليميين لرأس المال. فهل هناك رأسمال أوروبي على قدر من التجانس بما يسمح بتحدي الرأسمال الأميركي، أم أن مستوى تداخل الرساميل المعولمة وصل (على العكس من ذلك) الى مرحلة تسمح بقيام <<أولترا رأسمالية>> بحيث تكتفي إمبرياليات الأمس بمعارك خلفية في إطارها؟ من دون المبالغة في تقدير أهميته، يبقى الشقاق الفرنسي الألماني مع الولايات المتحدة بحاجة إلى تفسير. يمكن الاستناد الى سلسلة عوامل: مصالح كل من الطرفين في المنطقة، ثقل النزعة السلامية الألمانية والتراث الديغولي، الخيار السياسي التعددي القطبية ضد الأوحدية. ليس هناك تفسير بسيط أو أحادي السببية، والمسألة تستحق إمعان التفكير، مع التنبيه بأننا لسنا أمام شقاق أوروبي أميركي وإنما أمام خلاف أميركي مع بعض البلدان الأوروبية فقط. تبقى العلاقة بين أوروبا وأميركا اعادة النقاط التي لا مناص من دراستها بعمق. ما من شك أن الولايات المتحدة استخدمت كل النزاعات الجارية منذ 1991 من أجل تيسير ارتباط أوروبا بها (توسيع واعادة تحديد مهمات حلف شمال الأطلسي، السباق الى التسلح). ما زال الاتحاد الأوروبي فضاء تجارياً ونقدياً وجيلاتيني سياسياً. ومفهوم أن للولايات المتحدة كل المصلحة في أن يبقى كذلك. وهذا الأمر يطرح نفسه بالنسبة الى من يريد بلورة بديل أوروبي عن أوروبا معاهدتي أمستردام وماستريخت، خصوصاً أن استحقاق 2004 (توسيع الاتحاد) يضطرنا الى القيام بنقاش أكثر جدية. يشير بيري أندسون في مقال له إلى أن الخلافات الأميركية الأوروبية قد استندت الى جملة مبادئ مشتركة. لم تدر هذه الخلافات حول الحرب وانما حول دور الأمم المتحدة، <<مع أو بلا الأمم المتحدة>>، وهو أمر يفترض حداً معيناً من التوافق حول عدم انتشار أسلحة (الدمار الشامل) أضف للاتفاق حول مبدأ حق التدخل، بشرط موافقة من المجتمع الدولي. لا اعتقد اذاً ان الموقف على مستوى الحكومات الأوروبية كانت له علاقة كبيرة مع التعبئة ضد الحرب ومن أجل العولمة البديلة. البلدان التي شهدت أعلى نسبة تعبئة (وهي بالنسبة الى أوروبا، ايطاليا وبريطانيا العظمى واسبانيا) كانت البلدان التي راعت حكوماتها التزاماتها الى جانب الولايات المتحدة. في المقابل، ينبغي الاعتراف بأن التباينات على صعيد مجلس الأمن والحكومات قد فتح مجالاً لاضفاء الشرعية على التعبئة ضد الحرب. بيد أن التعبئة ضد الحرب قد أتت من تلقاء نفسها بالنسبة إلينا. ظهرت التعبئة ضد العولمة الرأسمالية وضد الحرب بشكل بديهي في فلورنسا كما في بورتو أليغري، إلا أن وسائل الإعلام لم تصحو من ثباتها وتبصر هذه التعبئة إلا غداة تظاهرات الخامس عشر من شباط. ان أسباب التجذر الحاصل اليوم لهي غاية في العمق، فحتى الذين لم يقرأوا روزا لوكسمبورغ يفهمون جيداً تلك العلاقة العضوية بين النزعة العسكرية الإمبراطورية الجديدة وبين العولمة السلعية. ترجمة: و.س مجلة الونكونتر عدد 12 -2003 |