الاعداد للمنتدى الاجتماعي العالمي بقلم بيار روسيه حصيلة مرحلية بعد اجتماعات شيناي Chennai أتاحت الاجتماعات المنعقدة في شيناي بالهند رصد ما وصل إليه الإعداد للمنتدى الاجتماعي العالمي، في المقام الأول مع الوفود الأسيوية ثم في إطار اللجنة التنظيمية والمجلس الأعلى الهندي للمنتدى الاجتماعي العالمي . تشبه السيرورة الهندية لإعداد المنتدى الاجتماعي العالمي، في اكثر من وجه، السيرورة الأوربية لإعداد المنتدى الاجتماعي الأوربي. بفعل حجمها الديمغرافي البالغ مليار نسمة، ولغاتها وثقافاتها، وتعقيد بنياتها الاجتماعية، وأشكال تفاوت نموها، و وفرة حركاتها المناضلة، ربما يلزم من الوقت والاهتمام لاجل بناء أشكال تضافر دينامية على صعيد الهند كلها قدر ما يلزم في أوربا. وكما الشأن في أوربا، تتميز المنهجية المعتمدة بدرجة كبيرة من الانفتاح و السعي الى الدمج . بعد انعقاد المنتدى الاجتماعي الأسيوي الأول في حيدر اباد في يناير 2003 ( راجع مقال بيار روسيه بكراس اطاك اكادير حول المنتديات الاجتماعية) نظم الهنديون جملة اجتماعات إعدادية بمختلف مدن البلد،لاجل افضل دمج لمجمل الحركات ولتنوع الواقع حسب الجهات. وكان هذه المرة دور شيناي، عاصمة ولاية تاميلنادو، المعروفة هنا باسم مادراس، جنوب البلد. وستعقد الاجتماعات المقبلة في مومباي (أي بومباي) في الولاية الغربية ماهاراسترا، كي يستأنس المشاركون(ة) بمكان انعقاد المنتدى الاجتماعي العالمي الرابع من 16 يناير 2004 الى 24 منه. تتمثل احدى الرهانات الرئيسية للمنتدى الاجتماعي العالمي المقبل في دمج أوسع بكثير مما كان لحد الآن لقارة آسيا في سيرورة المنتدى الاجتماعي العالمي وفي نفس الوقت ضمان تعبير المنتدى بشكل أقوى عن « وجهات النظر» الأسيوية وليس الأمريكية اللاتينية والأوربية فقط. هكذا يجب ان تشكل مامباي 2004 لحظة بالغة الأهمية في تدويل المنتدى الاجتماعي العالمي. لكن بناء أشكال تضافر دينامية ليس طبعا أمرا تلقائيا. فمن الصعب العثور على مكان بالعالم اكثر تنوعا من آسيا. وليست الهند مركزها باي حال ! ولا تشمل العلاقات «الطبيعة» التي نسجتها الحركات الهندية سوى البلدان المتاخمة (باكستان، نيبال، بانغلاديش، ماليزيا، سري لانكا، ..) ولا يوجد ثمة معادل للاتحاد الأوربي يعطي إطارا سياسيا ومؤسسيا مشتركا، ولا بلدانا أخرى بوسعها القيام بدور محرك خارج منطقتها الجهوية الخاصة بها. سعيا للاجابة على هذا المشكل نظم الهنديون « استشارتين أسيويتين»، إحداهما في بداية يونيو والأخرى هذه المرة في شيناي . وربما تنعقد الاستشارة المقبلة في بانكوك بتايلاند. و يجري الإعداد اليوم للمنتدى الاجتماعي العالمي في آسيا بواسطتين رئيسيتين. اولا بواسطة التكتلات الوطنية ذات الوجود الشكلي الى هذا الحد او ذاك، والموحدة الى هذا الحد او ذاك في بلدان عديدة(كوريا الجنوبية، اليابان، فليبين، باكستان،الخ) مع تشكيل منتديات اجتماعية وطنية أحيانا. وكذلك بواسطة شبكات دولية عديدة جدا مثل يوبيل الجنوب(خاص بالديون) و Focus on the Global South (مقرها في بانكوك)و DAWN (نسوانيات) و Peace Boat (دعاة سلم) وشبكات كاثوليكية ولاجل حقوق الإنسان،الخ. وستظهر، خلال الأشهر الفاصلة عن المنتدى الاجتماعي العالمي، تكتلات وحدوية جديدة بمختلف البلدان وسيرتفع عدد الشبكات الدولية المنخرطة بالفعل في السيرورة.وسيكون للأسيويين حضور كثيف في مومباي، في يناير المقبل، رغم ان كلفة السفر قد تحد من الوفود القادمة من جنوب شرق آسيا( تكلف الرحلة من مانيلا الى مومباي بالطائرة ما يكلف نظيرها من مانيلا الى باريس). اما البلدان المتاخمة فستكون ممثلة بشكل كثيف، بالأقل اذا منحت التأشيرات قبل فوات الأوان. وسيحضر بوجه خاص عدة الاف من الباكستانيين، وهو امر بالغ الأهمية من الناحية السياسية بالنظر الى المواجهة النووية بين الهند وباكستان وحرب حكومتي البلدين (الكلامية في الغالب لكنها ساخنة بخصوص كشمير…). ويتواصل بالهند الإعداد للمنتدى الاجتماعي العالمي بشكل ممنهج جدا. ستجري أشغال المنتدى في القسم الشمالي من مومباي ( غير بعيد من المنتزه الوطني سانجاي غاندي)،في مقاطعة Goregaon .وكما كان الأمر في المنتدى الاجتماعي الأوربي الأول في فلورانسا سينعقد المنتدى العالمي في موقع وحيد (لكن مخيم الشباب سينظم خارجه لاسباب عملية) «بروليتاري» (يتعلق الأمر بمنطقة صناعية ستستعمل اغلب مصانعها لأغراض المحاضرات والندوات) وبالغة الاخضرار. يكون الطقس في مومباي في يناير معتدلا جدا(لا أمطار و 25 درجة …). بإمكاننا تبادل أطراف الحديث في ظلال الأشجار عند مغادرة الاجتماعات… ستواجه اللجنة التنظيمية الهندية مشاكل عملية لم تشهدها المنتديات السابقة ، العالمية او الأوربية. فلن يكون بوسعها الاعتماد على مساعدات من البلديات ولا من الحكومات ( الولايات او الحكومة الفيدرالية). وليست ثمة مساكن او أراض رهن الإشارة بالمجان. لكل شيء ثمن. تصوروا تنظيم المنتدى الاجتماعي الأوربي المقبل دون دعم البلديات ومجالس الجهات ! هكذا ستنصب خيام لاقامة الوفود القادمة من مختلف جهات الهند . ان هذا الحل هو الأقل كلفة. لكن يظل السعر مرتفعا جدا بالنسبة لفلاح هندي فقير. لا بد من جهد تضامن مالي كبير لتأمين مشاركة شعبية بالمنتدى الاجتماعي العالمي. سيكون امتحان مومباي أساسيا بهذا الصدد. فاذا أردنا أي يهاجر المنتدى الاجتماعي العالمي الى آسيا وأفريقيا فلا بد من النجاح في الاستغناء عن أشكال دعم مؤسسي عديدة. كما تتواصل سيرورة الإعداد السياسي. اذ جرت نقاشات مطولة لاجل ان تنعكس خلال المنتدى مختلف أوجه الواقع الهندي، مثل مسألة الفئات المغلقة castes الأساسية (كما انعكست اوجه واقع أمريكا اللاتينية في بورتو اليغري) او حول عناوين المحاضرات كي لا يؤدي استعمال لفظ «العمل»، على سبيل المثال ، الى إقصاء أهمية القطاع اللاشكلي في الاقتصاد. وتكتسي سيرورة النقاش الطويلة هذه حول مضمون المنتدى أهمية بقدر ما يجمع الإعداد للمنتدى الاجتماعي العالمي حركات بالغة التنوع لم يسبق لها ان أسست تقاليد تعاون: ما يسميه الهنديون «الحركات الجماهيرية التقليدية» (نقابات، جمعيات نساء، شباب، الخ متماثلة مع اليسار «الكلاسيكي») و«حركات شعبية»( الجناح «الحركوي» ذي المرجعيات «الغاندية») منها المنتمي الى التكتل الوطني للحركات الشعبية (NAPM) وأنواع مختلفة من المنظمات غير الحكومية وحركات اجتماعية محلية وجهوية عديدة ، المعبرة عن فئات مغلقة ُمخضعة مثل الداليت Dalit (…) او حتى خارجين عن الفئات المغلقة (أي «خارج الإنسانية » افيداسيس والقبائل واقليات ( مسلمون ومسيحيون ) ،الخ. هكذا أتاح إعداد المنتدى الاجتماعي العالمي دمج عدد كبير جدا من المنظمات والحركات من أنواع بالغة التباين في السيرورة وتحقيق أشكال تضافر نضالي ذات سعة غير مألوفة . انه أحد النجاحات الرئيسية. وطبعا ليس النجاح تاما ( وهو ليس كذلك في أي من البلدان التي شهدت تنظيم منتديات اجتماعية ) وهكذا دعا عدد من المنظمات يوم 15 سبتمبر الى عقد منتدى«مقاومة 2004» الذي سينعقد في نفس التاريخ حول نفس المواضيع وفي نفس الحي في مامباي حيث سيعقد المنتدى الاجتماعي العالمي ! تعكس هذه المبادرة ،المحدودة لحد الآن، مشاكل عدة . بعضها خاص مثل صعوبة استكمال بناء علاقات وحدوية في الهند بين منظمات عاشت أمدا طويلا علاقات صراع حادة، او من قبيل الحصيلة السلبية التي استخلصتها منظمة KRRS (منظمة فلاحين متوسطين أغنياء منغرسة جيدا في بعض ولايات وسط شرق الهند) من مشاركتها في المنتدى الاجتماعي العالمي. وثمة مشكلان لهما، بنظري، أهمية اعم . لحد الساعة وحدها اقتصرت المشاركة الهندية في التجربة الفريدة للمنتديات الاجتماعية على شريحة ضئيلة من الكوادر الهندية المناضلة ببعد آمني.وهي تجربة تظل غريبة بالنسبة لعدد كبير من الحركات. وفي هذا السياق ثمة حجة سجالية لدى معارضي المنتدى الاجتماعي العالمي غير المكترثين كثيرا بالدقة تصيب هدفها بسهولة: انهم يقيمون تعارضا بين المنتديات، حيث لا شيء غير الثرثرة بكلفة مالية باهضة، والتعبئات النضالية حيث تخاض النضالات الفعلية . مع ذلك يعلم جميع المشاركين والمشاركات في تجارب السنوات الأخيرة ان نفس المنظمات، الى حد كبير، هي التي ضمنت نجاح المنتديات والتعبئات النضالية الكبرى وان المهم ، بالضبط، هو العلاقة المتبادلة التي نسجت بين «فضاء التضافر المفتوح» بالمنتديات والقدرة المتنامية على الفعل المشترك ( على الصعيدين الوطني والعالمي على السواء) بين حركات بالغة التنوع. وابلغ الأمثلة هنا هو طبعا الإعداد لليوم العالمي الكبير ضد الحرب يوم 15 فبراير 2003 الذي نوقش اولا في المنتدى الاجتماعي الأوربي بفلورانسا ثم بالمنتدى الاجتماعي العالمي ببورتو اليغري . وهذه العلاقة الدينامية ما زالت غير مستوعبة كفاية من طرف عدد من الأوساط المناضلة بالهند. المظهر الأخير للمشكل الذي اود التطرق اليه هو الأكثر إشكالية . ان المبادر الى«مقاومة2004 » هو الرابطة الدولية لاجل النضالات الشعبية (ILPS وبالتالي بعض المنظمات الماوية مثل الحزب الشيوعي للفيلبين والحزب الشيوعي الهندي-حرب الشعب . هذا علما أن المبادرة الى تنظيم «مقاومة 2004» اتخذت في اجتماع دولي ايام 18-20 يوليوز 2003 بهولندا حيث توجد التمثيلية الخارجية للجبهة الديمقراطية للفيلبين (ILPS.المرتبطة بالحزب الشيوعي بالفليبين . طبعا ليست مساندة أحزاب لهذه المبادرة مشكلا في حد ذاتها وثمة أحزاب ماركسية-لينينية أخرى تدعم سيرورة المنتدى الاجتماعي العالمي، وهو أمر جيد جدا،لاسيما بالنظر لانغراسها الاجتماعي في البلد. لكن المشكل يكمن في ان الحزب الشيوعي الفلبيني هو أحد الأحزاب الأكثر عصبوية بالمنطقة ، عصبوية تهدد كل باقي مكونات اليسار ( بما فيه الثوري ) بالفيليبن.والخطر انه يصدر هذه العصبوية الى آسيا . لن يكون ثمة في مامباي «قمتين مناضلتين» بنفس الحجم. من المحتمل ان يستقبل المنتدى الاجتماعي العالمي 50 الف مشارك ( الخطر في الواقع هو ان يفوق النجاح العددي ما تتحمله البنية التحتية ) . اما «مقاومة 2004» فبعيد عن بلوغ قدرة التعبئة هذه وقد ترى بعض مكوناته في هذه المبادرة فعلا مستقلا ومكملا للمنتدى الاجتماعي العالمي ( تلك في الغالب حالة مبادرات أخرى خلال منتديات اجتماعية سابقة) . لكن يمكن مع ذلك التخوف من تأكد دينامية اشد عصبوية بكثير بهذه المناسبة . وقد اجابت اللجنة الهندية لتنظيم المنتدى الاجتماعي العالمي على بعض من الأسئلة المطروحة هنا. وذلك مثلا بضمانها للطابع الوحدوي والمفتوح والدامج للإعداد للمنتدى وتهيء خيام داخل المنتدى ستتيح للحركات وللمناضلين حول مواضيع مشتركة اللقاء وبناء أشكال تضافر عالمية موجهة نحو العمل المشترك. وقد دلت اجتماعات شناي ان الإعداد للمنتدى الاجتماعي العالمي في الهند متواصل بنشاط وجار فعلا في آسيا. لكن ضعف المشاركة الدولية (أوربا ، أمريكا اللاتينية ) في هذه الاجتماعات يميل الى إبراز ان ثمة الكثير مما يجب القيام به من اجل ربط افضل للسيرورات العالمية بالسيرورة الهندية . ويجب ان يكون انعقاد المنتدى الاجتماعي الأوربي الثاني فرصة للشروع في التعبئة للمنتدى الاجتماعي العالمي في مومباي . بتغيير القارة سيتجدد المنتدى الاجتماعي العالمي بعمق . ستكون التجرببة أخاذة. على الصعيد السياسي طبعا: فالهند بالغ الثراء سياسيا كبلدان اسيوية اخرى وحركاته السياسية دينامية جدا ومتنوعة . لكن ايضا على المستوى الثقافي ايضا . سيلتقي بهذا المنتدى الف وجه للهند مع برنامج عمل ثقافي يبدو اكثر تطورا من بورتو اليغري او اوربا ومع مومباي محيطا مباشرا . انها فرصة لا بد من انتهازها
|