على الذين يرون ان لامناص من العولمة أن يدركوا إمكان الاستغناء عنهم او إطاحتهم .
يقوم الفكر النيوليبرالي بنشر مفهوم الحتمية : فالنظام القائم ضروري بنظره لأنه قائم، ولا مناص من العولمة بالشكل الذي تجري به وما على الجميع ، ذكورا وإناثا ، سوى التطابق معها . هكذا يجري السقوط في اللاعقلانية وفي الجبرية . لكن نظرة يقظة إلى التاريخ تدل على أن فكرة «التطور في اتجاه واحد لا رجعة فيه» غير لائقة. فلنأخذ الميدان المالي مثالا. في بداية القرن العشرين بدا ان لا رجعة عن حرية حركات الرساميل المضمونة بعيار الذهب ، ولا عن حرية المبادلات المضمونة بالاتفاقيات حول التجارة والاستثمار . لكن جاءت الحرب العالمية الأولى لتقلب هذا عن آخره . وفي بداية سنوات 1920 بدا ان لا رجعة عن قوة الأسواق المالية كلية القدرة بنفس المنوال الذي تدعيه اليوم. لكن انهيار 1929 وما تلاه من أزمة مديدة اجبرا الحكومات على ممارسة رقابة صارمة على الأنشطة البنكية والمالية . وعند نهاية الحرب العالمية الثانية اتفقت حكومات أهم البلدان الرأسمالية المنتصرة على التزود بأدوات رقابة مالية على المستوى الدولي وكان بالخصوص من أهداف صندوق النقد الدولي على هذه الرقابة (ينص بنده السادس على ذلك صراحة ) . وانطلاقا من 1945 وضعت حكومات عديدة بأوربا الغربية خططا تأميم واسعة شملت البنوك تحت ضغط عالم الشغل .
لا يفوق يقين النظرية النيوليرالية المعلنة اليوم شأنا نظيرها لدى الليبراليين أو المحافظين في سدة الحكم في سنوات 1920 عشية الانهيار المالي .
وقد يفضي الإخفاق الاقتصادي والكارثة الاجتماعية التي سببها النيوليبراليون اليوم الى تغيرات كبيرة جديدة ، سياسيا واجتماعيا . ليست العولمة مرداسا يسحق كل شيء في طريقه : فقوى المقاومة حاضرة وتقاوم و ما أبعد العولمة عن بلوغ نظام اقتصادي متماسك : فالتناقضات عديدة داخل الثالوث ( تناقضات بين القوى الإمبريالية ، تناقضات بين المنشآت، استياء اجتماعي، أزمة شرعية الأنظمة القائمة ، تجريم سلوك الفاعلين الاقتصاديين الكبار)
هذا علاوة على اشتداد التناقضات بين المركز والمحيط ( البلدان التابعة ) بسبب طابع الإقصاء المميز لدينامية العولمة الراهنة . يمثل سكان المحيط 85% من سكان العالم : وإن كل من يعتقد باستسلامهم لما هم عرضة له من إقصاء يرتكب خطأ فادحا، شأنه في ذلك شأن الحكام الذين كانوا خلال سنوات 1940-1950 يعتقدون بثبات سيطرتهم الاستعمارية على أفريقيا وقسم كبير من آسيا .
أخيرا ، داخل بلدان المحيط ، وبشكل تدريجي تفقد السلطات التي تقبل السير على الطريق النيوليبرالي عناصر من شرعيتها. وبوجه عام لم يعد لدى الطبقة السائدة في تلك البلدان من منظور للتقدم تمنحه لأوسع جماهير السكان .
لماذا إذن استبعاد أن يعبر الاستياء الاجتماعي من جديد عن نفسه بمشاريع تحررية ؟ وهل ثمة ضرورة تحكم على الاستياء بسلوك طريق الانطواء الهوياتي او " العرقي " أو الديني؟ ففي خضم أوضاع بلغ طابعها المأسوي ما تشهده الجزائر، ثمة قوى وازنة تعمل من اجل مشروع تقدمي . ليس ثمة أي جبرية اقتصادية ولا أي وضع سياسي عصي عن التغيير بفعل القوى الاجتماعية .
واليوم ، كما بالأمس يتعين على البديل انم يتخذ أبعادا مختلفة :
* بعد سياسي . ان كانت السلطة السياسية قد تخلت عمدا عن قسم من سلطة رقابتها ، متيحة على هذا النحو إطلاقا لعنان حركات الرساميل ، فإن بإمكانها ان تستعيد بنفس القدر من العزم تلك الرقابة تحت الضغط الشعبي ("الارادة السياسية ") وان لم تقم بهذا الانعطاف يمكن أيضا أن يُطاح بها .
· بعدا مواطنيا وبعدا طبقيا . ان على أولئك الذين في اسفل ، ذكورا وإناثا ، وفي منظماتهم كافة ، سواء المنحدرة من الحركة العمالية للقرن 19 ( أحزاب ونقابات ) او من حركات شعبية أخرى او حركات اجتماعية جديدة للنصف الثاني من القرن 20 ، ان عليهم أن يعيدوا امتلاك حق التدخل وحق الرقابة وحق الضغط على المتدخلين الآخرين وطرح مسألة الممارسة المباشرة للسلطة طرحا عمليا .
· بعدا اقتصاديا . يجب ان يفضي تضافر الأبعاد الأخرى الى قرارات اقتصادية متمحورة بشكل أساسي حول إجراءات مجبرة لحركات الرساميل وللذين يقررون بشأنها ، أي مالكوها(.) كما يقع الطابع المقدس لملكيتهم الخاصة في قلب النقاش القادم . بالفعل إن كان ثمة عزم على الدفاع عن المنفعة المشتركة والإفادة الشاملة من الخدمات الأساسية فسيفضي الأمر الى طرح ضرورة امتلاك عمومي للمنشآت التي تحتكر ملكية البشرية وتحول دون تلبية الحقوق الإنسانية الأساسية .
هكذا فان التطور الراهن للرأسمالية يطرح من جديد على جدول الأعمال النقاش حول راديكالية جديدة. وبالفعل كنست الأزمة الاقتصادية والموجة النيوليبرالية أشكال المساومة السابقة .
و المساومة الاجتماعية الفوردية بالشمال والمساومة التنموية بالجنوب والرقابة البيروقراطية بالشرق لم تمنع أينما وجدت استعمال القوة من طرف الماسكين بالسلطة ، وما أبعدها عن ذلك ، لكن النهج المتبع ترافق مع بعض عناصر التقدم الاجتماعي . وكان هذا العنصر الأخير هو الذي يتيح في بعض الحالات المساومات .
انفرطت تلك المساومات بفعل المنطق الراهن للرأسمال وخيارات الحاكمين . و يجب معارضة ذلك بمنهج جديد قائم على القطيعة ومضاد للمنظومة . يستتبع ذلك ان يصير أولئك الذين في الأسفل، ذكورا وإناثا، الفاعلين الحقيقيين للتغيير ولتسيير هذا التغيير . ويستتبع هذا بنفس القدر من الضرورة ان تكون الحركات الاجتماعية وفية لمصالح من تمثلهم وان تكون مستقلة عن السلطات السياسية استقلالا تاما . . ولن يسعها أن تضمن هذا الوفاء بغير تطوير ديمقراطية داخلية حقيقية تضع في المقام الأول تعبير أناس يمارسون السياسة يوما بيوم وتشجيع بلورة خيارات وحفز تجسيد استراتيجيات لبلوغها .
فعل مخطط للعمال والحركات الاجتماعية
بلغ الهجوم النيوليبرالي مستوى يستدعي عملا مخططا من أجراء (ة) ومضطهدي(ة) العالم برمته .
هذا العمل ضروري لإلغاء البطالة ، فزوال هذه الأخيرة يستلزم تقليصا عاما لوقت العمل دون خفض الأجر وتشغيل تعويضي وهو ضروري لمواجهة ترحيل الصناعات والتسريح . ولا غنى عن مساندة عمال الشمال لرفاقهم بالجنوب لاجل حصول هؤلاء على زيادات في الأجور ، وبوجه عام على الحقوق النقابية التي تتيح لهم تحسين شروط حياتهم إلى مستوى عمال الشمال . إن كان عالم الشغل مازال يمثل في اللحظة الحالية أقوى رافعة للتدخل في النضال السياسي فمن الحيوي ان يقترن به بأوثق شكل ممكن كل الذين واللواتي ُوِضعوا على هامش الإنتاج .كما يلزم ان تنضم إليه كافة الحركات الاجتماعية المناضلة ضد الاضطهاد أيا كان شكله .
تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة
ان كان لازما اعتماد" تشاؤم العقل " لإدراك حجم الهجوم النيوليبرالي وقوة تنظيم الدافعين به، فيجب أيضا اعتبار " تفاؤل الإرادة " الذي يحرك أقساما بكاملها من سكان العالم .
فلولا المقاومة التي نراها تنهض بصلابة وبعزم وبجرأة في ربوع الكوكب، لكانت القوى المحركة للعولمة الرأسمالية وأنصارها قد حققوا نجاحات تفوق بكثير ما أحرزوا. وهذا في حد ذاته نتيجة ولو أنها غير كافية .
فك عزلة النضالات
كما قلنا تتحكم الطبقة الرأسمالية بقوة في وسائل الأعلام لا سيما المرئية . وليس من مصلحتها أن تذيع عبر العالم صور النضالات التي تبرز طاقة الإبداع لدى المضطهدين والمضطهدات . وغالبا ما تبث صور عن المواجهات مع الشرطة أو الجيش لكن نادرا ما يمدوننا بتفاصيل النضال وحذق العمال وإبداعات المتظاهرين والأنشطة التي أتت أكلها . فذلك من شأنه بالفعل أن يمد بالأفكار حركات أخرى وهذا القسم من الحدث يمثل خطرا على الطبقة الرأسمالية. ويمكن ان نستدل بالضد لقياس الدور الهائل لوسائل الإعلام في التعبئة عندما تعطي صورة عن حجم حركة ما وذكاءها . وهاكم مثالا : أثارت حركة الإضراب في نوفمبر –ديسمبر 1995 بفرنسا التعاطف لدرجة ان وسائل الإعلام لم تتمكن من بخس قدر أهميتها، وكان بث التعبير عن هذا التعاطف على نطاق واسع هو نفسه حافزا لتوسع الحركة .
النضالات لا تضعف بل تجنح الى التكاثر بشكل يناسب الهجمات . وتتمثل إحدى اكبر المشاكل التي تواجهها المقاومة في شعور العزلة ، ولا شك ان أحد أهم الرهانات المطروحة على التقدميين هو فك هذه العزلة والعمل على تضافر النضالات .
بسبب تركز المقررين السياسيين على المستوى العالمي ، وبفعل تشابه ما يفرضون من إفقار على الكوكب قاطبة ، يلتقي نضال الفلاحين دون أرض بالبرازيل مع نضال عمال فولكسفاكن ضد شركتهم متعددة الجنسية ، ونضال جماعات الهنود الزاباتية من اجل حياة كريمة في القرى المكسيكية بنضال المضربين الأمريكيين في UPS ، ونضال مئات آلاف الفلاحين بالهند المعارضين لقرارات المنظمة العالمية للتجارة بنضال المهاجرين دون أوراق بفرنسا وإسبانيا ونضال نقابات عمال كوريا الجنوبية دفاعا عن مكاسبهم بنضال الحركات الاجتماعية في جمهورية الكونغو الديمقراطية لاجل إلغاء ديون أفريقيا ، ونضال سكان تايلاند ضد سياسة تقشف قاسية بنضال سكان بلجيكا الذين يتحدون السلطتين السياسية والقضائية العاجزتين عن الوقوف بوجه تسليع الأطفال ، ونضال نساء الجزائر بنضال المحاكم الشعبية التي تندد بالدين اللاشرعي في الأرجنتين ، ونضال الطلاب في نيكاراغوا بنضال مناضلي منظمة السلام الأخضر . ..
يهتز العالم في كل مكان مرهقا بشعور كرامة مداسة ومدفوعا بتوق الى حياة افضل ومنتفضا ضد ظلم وعنف نظام يراد تقديمه بما هو الذروة وبما هو نهاية التاريخ . وفي أماكن مختلفة من العالم لم تمر إجراءات " سادة الأرض " وسط اللامبالاة . ومعرفة هذا أمر في غاية الأهمية .
سياق الطور الحالي من النضالات ضد العولمة الرأسمالية (2000-2001)
إجمالا بدأ الطور الحالي من العولمة النيوليبرالية في منعطف سنوات 70 و80 لما كان الفوز الانتخابي لتاتشر في بريطانيا وريغن في الولايات المتحدة الأمريكية إيذانا بهجوم في جميع الاتجاهات يشنه الرأسمال على العمل والقوى الرأسمالية المتطورة على البلدان الرأسمالية التابعة (مستهدفة في المقام الأول شعوبها ) .
تتمثل العلامات الأساسية لهجوم ما زالت غاراته متواصلة في محاولات تحطيم المنظمات النقابية (تحطيم نقابة المراقبين الجويين في الولايات المتحدة في عهد ريغن، وتحطيم نقابة عمال المناجم في عهد تاتشر ) ، وعمليات خوصصة واسعة النطاق ، ورفع معدلات الفائدة ، وتجميد الأجور وزيادة الضرائب على العمل ، وخفض الضرائب على الرأسمال ، وأزمة دين العالم الثالث ، وتطبيق سياسات التقويم الهيكلي في بلدان التابعة ، وحروب بذريعة إنسانية تشنها التحالفات العسكرية للبلدان الأكثر تصنيعا ضد البلدان التابعة، وإغلاق حدود البلدان الأكثر تصنيعا ، وتعزيز سلطة تدخل المؤسسات متعددة الأطراف التي تتحكم بها البلدان الأكثر تصنيعا بدءا بالولايات المتحدة الأمريكية ( صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمنظمة العالمية للتجارة )، و إخضاع منظمة الأمم المتحدة من طرف تلك القوى نفسها ، وتعزيز سلطة الشركات متعددة الجنسية ، وفرض مرونة العمل والأنظمة ، وتأنيث الفقر ، والهجمات ضد الحماية الاجتماعية .
يؤدي البعد العالمي لهذا الهجوم وفرض نفس نمط السياسات النيوليبرالية في ربوع الكوكب كافة الى تزامن شبيه بمنعطفات أخرى في تاريخ القرنين الأخيرين (عصر الثروات في أوربا في 1848 والحرب العالمية الأولى وعواقبها ، انتصار الفاشية والحرب العالمية الثانية ، استقلالات سنوات 1950-1960 ، ماي 1968 ….) إن الفروق بالغة الأهمية طبعا .و يتعلق الأمر بتزامن الهجمات وليس ( بعد) تزامن المقاومة والهجمات المضادة ما عدا على نطاق الحركة من اجل عولمة أخرى التي تتعبأ بمناسبة اجتماعات القمة الدولية الكبرى . ولعل مختلف عناصر الهجوم آنفة الذكر تعاش لاول مرة في التاريخ من قبل السواد الأعظم من سكان كوكبنا في آن واحد . وترمز بعض المؤسسات الدولية ، بشكل فاق لحظات أخرى في تاريخ الرأسمالية ، الى الشرور التي يكابدها قسم كبير من البشرية : صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمنظمة العالمية للتجارة وكبريات الشركات متعددة الجنسية و وقمة السبعة الكبار ..
لا تحصى أشكال مقاومة هذا الهجوم الكاسح وهي متواصلة منذ 20 سنة لكنها غالبا ما انتهت بهزائم جزئية . وثمة منذ معركة سياتل 99 اتفاق على وجود تدويل لحركة مقاومة العولمة .
وإن لم يكن ثمة بد من البحث عن سنة رمزية للإشارة الى المنعطف الذي أفضى الى ذلك التدويل ، فيمكن اختيار سنة 1994 المطبوعة بوجه خاص بالانتفاضة الزاباتية في التشياباس بالمكسيك في يناير 1994 ، تلك الانتفاضة التي أحسنت التعبير عن مشاكل اضطهاد أُعتُبرت خصوصية بلغة كونية ُمسائلة أجيالا عديدة .
ثانيا : الاحتفال بالذكرى الخمسين لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي في سبتمبر بمدريد الذي كان مناسبة لمظاهرة كبيرة ذات طابع دولي مع حضور هام للشباب . ثالثا انفجار أزمة المكسيك في ديسمبر والذي عصف لاول مرة بأسطورة النموذج النيوليبرالي لتنمية البلدان التابعة .
جرت تعبئات هامة من قبل على الصعيد الدولي (مظاهرة ضخمة سنة 82 ضد صندوق النقد الدولي في برلين ، و التعبئة في باريس بمناسبة قمة السبعة الكبار في 89 …) لكنها لم تنل نفس القدر من الأهمية الدولية لكونها جرت في عز خرافة « الانتصار النهائي للرأسمالية ونهاية التاريخ » .
بدأت مع سنة 1994 معاينة صيرورة تراكم تجارب وقوى تسعى الى الانتقال الى الهجوم المضاد . يتعلق الأمر بصيرورة متفاوتة وغير خطية وهامشية نسبيا، لكنها تسير لحد الآن في تصاعد . وهاكم تواريخ تجارب تمثل علامات لفترة 1994-2000: الحركة الاجتماعية القوية في خريف 1995 بفرنسا ( التي لم تكن لها علاقة بالنضال ضد العولمة، لكن كانت لها عواقب هامة على الحركة المناهضة للعولمة النيوليبرالية في فرنسا) والقمة المضادة « أصوات الكوكب الأخرى » بمناسبة قمة السبعة الكبار في يونيو 96 بليون (شهدت مظاهرة شارك فيها 30 ألف شخص بدعوة موحدة من النقابات ) وملتقى القارات الذي دعا إليه الزاباتيون في التشياباس في خريف 96 ، وانتصار إضراب عمال United Parcels Service (UPS) في الولايات المتحدة الأمريكية، وحركة إضراب عمال كوريا في شتاء 96-97 وحركات الفلاحين في الهند في 96-97 ضد المنظمة العالمية للتجارة والتعبئات المواطنة ضد مشروع الاتفاق متعدد الأطراف حول الاستثمار (AMI) المتوجة بالنصر في أكتوبر 98 ، وتعبئة يوبيل 2000 في ماي 98 في بيرمنغام وفي يونيو 99 في كولونيا ، والمسيرات الأوربية في ماي 97 بامستردام وفي ماي 99 في كولونيا ، ومعركة سياتل في نوفمبر 99 ثم التعبئات العديدة بمناسبة اجتماعات المؤسسات الدولية في 2000( فبراير في بانكوك ، وأبريل في واشنطن ، ويونيو في جنيف ويوليوز في أوكيناوا ، وسمتمبر في ميلبورن وبراغ ، واكتوبر في سيول ، والمسيرة العالمية للنساء في اكتوبر 2000 في بروكسيل ونيويورك وواشنطن، وديسمبر في نيس ) والندوات الدولية لصياغة بدائل « افريقيا : من المقاومة الى البديل» في داكار في ديسمبر 2000 ، والمنتدى الاجتماعي العالمي في بورتو اليغري في يناير 2001 ، والتعبئات ضد قمة الأمريكيتين في بيونس ايرس وكبيك في أبريل 2001 ، وجينوة في يوليوز 2001 ( زهاء 300 ألف متظاهر يحتجون ضد قمة الثمانية الكبار ) وواشنطن في نهاية سبتمبر 2001 .
حركت كل من هذه التعبئات آلافا الى مئات آلاف من المتظاهرين والمضربين . وكانت اغلب تلك التعبئات متعلقا مباشرة بمواضيع مرتبطة بالعولمة .
من إخفاق الاتفاق متعدد الأطراف حول الاستثمار( 1998) الى بيونس ايرس (2001) مرورا بسياتل وداكار وبورتو اليغري وجينوة .
منذ 1998 وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمنظمة العالمية للتجارة ، هذه الأدوات الرئيسية لهجوم الرأسمال على العمل ودول المركز على المحيط ، تجتاز أزمة شرعية عميقة . فقد أدت الكارثة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية الناتجة عن تطبيق السياسات التي يفرضها صندوق النقد الدولي والبنك العالمي على البلدان التابعة الى زوال شرعية هذه المؤسسات على نحو جلي وعلى نطاق جماهيري في البلدان المعنية . كما أدت سياسات نزع تقنين التجارة والمس بسيادة الدول الى حذر أكيد من قبل الرأي العام إزاء المنظمة العالمية للتجارة، سواء في بلدان المركز او البلدان التابعة . وتتفاقم أزمة الشرعية هذه من جراء النقاشات والمعارك داخل جهاز الدولة بالولايات المتحدة الأمريكية . فانعدام إجماع داخل نظام القوة المسيطرة بلا منازع على صندوق النقد الدولي والبنك العالمي يفاقم بشكل عميق أزمتها : رفض الكونغرس الأمريكي ذي الأغلبية الجمهورية صرف حصة مساهمة الولايات المتحدة الأمريكية في بعض مبادرات صندوق النقد الدولي واقتراح اللجنة الثنائية Meltzer في الكونغرس الأمريكي تقليصا حادا لدور صندوق النقد الدولي والبنك العالمي (فبراير 2000) .
ثالث مستويات الأزمة : الأزمة الداخلية لصندوق النقد الدولي والبنك العالمي ( لاسيما هذا الأخير ) التي يعبر عنها بوجه خاص الانصراف الصاخب في نوفمبر 99 لجوزيف ستيغليتز Joseph Stiglitz ،كبير الاقتصاديين بالبنك العالمي، ونائب رئيسه ، وانصراف مسؤول شؤون البيئة والاستقالة الصاخبة لرافي كانبور Ravi Kanbur ،مدير التقرير السنوي للبنك العالمي حول التنمية في العالم ( يونيو 2000) . ويمكن إضافة الصراع الصامت في يونيو 98 و99 بيم ميشال كامدسوس Michel Camdessus وستانلي فيشر Stanley Fischer (الرقمان 1و2 بصندوق النقد الدولي ) المفضي الى استقالة كامدسوس قبل نهاية ولايته .
ويتمثل عنصر آخر من عناصر الأزمة في التناقضات بين القوى الكبرى والحرب التجارية داخل الثالوث (الموز ، والأبقار المعالجة بالهرمونات ، ودعم المنتجات الزراعية والصناعية ) والصراعات على النفوذ ( حرب خلافة بين القوى لتعويض ميشال كامدسوس في فبراير-مارس 2000) والضعف الذي أصاب قدرة البلدان الأكثر تصنيعا على فرض خطها الاستراتيجي في كل الأحوال. ومما يدل ذلك انسحاب فرنسا من مفاوضات الاتفاق متعدد الأطراف حول الاستثمار والذي وضع حدا مؤقتا لهذا الهجوم . وفعلا لم يعلن الوزير الأول ليونيل جوسبان انسحاب فرنسا بسبب التعبئات المواطنة فحسب ، بل أيضا نتيجة المعارك التجارية التي تخوضها فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرهما من اللصوص .
يتعين إضافة التناقضات بين الثالوث من جهة والبلدان التابعة من جهة ثانية .كان تعيين المدير الحالي للمنظمة العالمية للتجارة ميك مور Mike Moore موضوع نزاع مديد بين البلدان المساندة لهذا الأخير (بدءا بالولايات المتحدة الأمريكية ) وبعضا من أهم البلدان التابعة التي ساندت مرشح تايلاند . وهي معركة انتهت بمساومة قضت بترأس ميك مور المنظمة العالمية للتجارة في طور أول من الولاية والتايلاندي في طور ثان.
كان فشل مفاوضات دورة الألفية في سياتل نتيجة تضافر مختلف عناصر الأزمة المذكورة آنفا : أزمة شرعية تجد تعبيرا في تعبئة جماهيرية قوية ، والتناقضات داخل الثالوث ، واستياء البلدان التابعة من شروط القوى الصناعية الرئيسية . ومن جهة أخرى نجد صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ، اللذان يملكان سلطة كبيرة حين يتعلق الأمر بفرض سياسات التقويم الهيكلي وتسديد البلدان التابعة للديون ، عاجزين حين يتعين اتقاء أزمات من قبيل التي عصفت سنة 97 بجنوب شرق آسيا و98 بروسيا و99 بالبرازيل و2000-2001 بالأرجنتين وتركيا . وماذا يمكن القول عن قدرتهما على اتقاء انهيار البورصة على الصعيد العالمي … او إنعاش اقتصاد عالمي أصابه فقر الدم في 2001 .؟
نشير، اختتاما لهذا القسم، الى ان إحدى خصائص الوضع، منذ فشل الاتفاق متعدد الأطراف حول الاستثمار، تمثلت في اقتحام الحركة المواطنة لروزنامة مفاوضات المؤسسات الكبرى والقوى الدولية الكبرى . فلم تشهد السنتين الماضيتين أي اجتماع " للكبار" دون مظاهرات جماهيرية ، وكانت الاجتماعات الأخيرة عرضة لإرباك شديد بل حتى شلها المتظاهرون . ولم يتواصل الهجوم النيوليبرالي إلا بطفرات وبتأخر تنفيذ الخطط الجديدة ، وهو ما يثير،بالتأكيد، مخاوف أسياد النظام.
بلغت أزمة مجموعة 8 الكبار وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمنظمة العالمية للتجارة مستوى تخليهم عن الاجتماع في أجواء الصخب الإعلامي المعتادة . فسيدعون الى اجتماعات اصغر حجما في ابعد الأماكن الممكنة عن الاحتجاج : المنظمة العالمية للتجارة في الدوحة ومجموعة 8 في قرية نائية بجبال صخرية في كندا . وقد اضطر البنك العالمي الى إلغاء اجتماع في برشلونة في يونيو 2001 ، وبات صندوق النقد الدولي يجتمع في أقصى سرية ممكنة .
ليس لدى من يدعون قيادة العالم أي عزم على تقديم تنازلات للمحتجين المتكاثرين باستمرار . لذا فانهم يعتمدون تكتيكين في آن واحد سعيا الى وقف الحركة : اللجوء الى قمع متصاعد وحملة تحقير منهجي ترمي الى تلطيخ صورة المحتجين ( تشكيك في تمثيليتهم وقدرتهم على تقديم بدائل ، خلط بين غالبية الحركة ومجموعات صغيرة عنيفة …) من جهة ،ومحاولة جر جزء من الحركة لاسيما المنظمات غير الحكومية من جهة أخرى.
كما كان الديكتاتور نابليون بونابرت يقول : « يمكن عمل أي شيء بالحراب ، عدا الجلوس عليها »
(عبر غرامشي عن ذلك بكيفية اقل ابتذالا بحديثه عن الهيمنة وضرورة إجماع لتأمين استقرار النظام) . ان أزمة الشرعية وغياب إجماع يغذيان البحث عن حلول بديلة ويقويان التعبئات. كما ان استعمال للقمع البوليسي بشكل متكرر مع موكب ضحاياه ( حتى بالرصاص ) سيحط من شرعية المؤسسات التي تدعي قيادة العولمة النيوليبرالية .
عدة عوامل إيجابية ترتسم حاليا على صعيد الحركات الاحتجاجية
أولا : تضافر حركات اجتماعية ومنظمات من طبيعة مختلفة ( فيا كامبيسينا، اطاك ، المسيرة العالمية للنساء ، Focus on the Global South ، وحركات مناهضة للديون مثل يوبيل الجنوب ، ولجنة إلغاء ديون العالم الثالث…) وهو تضافر يفضي الى روزنامة واهداف مشتركة : راجع بهذا الصدد بيان المنتدى الاجتماعي العالمي ببورتو اليغري - يناير 2001 .
ثانيا : انغراس شبكات فاعلة في الحركة على مستوى عالمي وإن بشكل متفاوت ( تطور قوي بأوربا الغربية والقارة الأمريكية وآسيا، وضعف في أفريقيا وأوربا الشرقية ) . ثالثا : دخول شريحة هامة من الشباب دورة تجذر هي أيضا متفاوتة على صعيد العالم (الظاهرة أقوى في أمريكا الشمالية وجنوب أوربا وكذا بريطانيا والبلدان الاسكندنافية ، وجلي أن الظاهرة في توسع: يتحرك الشباب ويناضل في الجزائر- القبايل وكوريا الجنوبية والبيرو والمكسيك …)
أدت الهجمات التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن يوم 11 شتنبر 2001 ، وما تلاها من حرب شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الى تغيير عميق للوضع العالمي . وتترافق الأزمة الاقتصادية المندلعة في بداية 2001 مع حملة تسريحات واسعة على النطاق العالمي . كما انفجرت أزمة ديون جديدة في البلدان التابعة . و شن أنصار العولمة النيوليبرالية هجوما لدفع الحركة المناهضة للعولمة الرأسمالية الى موقف دفاعي مازجين تكتيكين : الدعوة الى الوحدة المقدسة من جهة والتجريم من جهة ثانية . ومنذ 11 شتنبر دمجت الحركة في برنامجها النضال ضد الحرب وضد السباق الجديد نحو التسلح . وانتهت سنة 2001 بانتفاضة شعبية قوية هزت كافة أرجاء الأرجنتين .وكنس استياء الشارع حكومة يسار-وسط التي كانت تطبق وصفات صندوق النقد الدولي. وضم المنتدى الاجتماعي العالمي المنعقد في فبراير 2002 ببورتو اليغري عشرات آلاف المشاركين القادمين من جهات الأرض الأربع لاجل صياغة بدائل . ورغم ما يعترض من عقبات جمة ، ليست الحركة من أجل عولمة أخرى مستعدة للتوقف .
نسيج تمرد subversion يحبك يوميا
كما تحبك هذه الحركة الواسعة الناشئة بمناسبة أحداث حاملة ، نسيجها بشكل يومي .التقى الشهود وجرى تبادل التجارب والعناوين . ويغدي هذا كله تمردا إنسانيا على نحو رائع . يعرف قاموس روبير subversion بقلب الأفكار والقيم المسبقة . أهي أفكار وقيم مسبقة ام مفروضة ؟ إن تصورنا للقيم مبني على التعددية لأن ضحايا الاضطهاد لا يتكلمون لحسن الحظ بصوت وحيد. لذا يتعين إنماء «أصوات الكوكب الأخرى ». لكن أفكارنا ليست أفكار ممارسي الاضطهاد ولا يشمل التعدد الخضوع لصوت الذين يعتمدون منطق الربح . فباسم ماذا نحن ملزمون بالاستمرار في قبوله ؟
كما تتعزز المقاومة بنضالات على الصعيد القومي : يجب توجيه الضربة الى الطبقة الرأسمالية المحلية في كل بلد لاجل إضعاف المجموع . لقد دشنت إضرابات خريف 1995 منعرجا سياسيا تجلت أولى مظاهره في ما تلا من انتخابات (لكنها غير كافية ).
تناضل الحركة العمالية المنظمة لاجل تقليص عام لوقت العمل ، ولأجل صيانة مكاسب الحماية الاجتماعية في البلدان الصناعية وفي البلدان التابعة التي اكتسبت فيها ( في الجنوب كما في الشرق )
وبدل الاختفاء في سرية يسائل المهاجرون بلا أوراق في فرنسا وإسبانيا وبلجيكا السلطة لأجل تسوية أوضاعهم القانونية . وتجبر العولمة ، بمعنى إيجابي، كل منظمة مرتبطة فعلا بالدفاع عن مصالح المضطهدين ، على ربط الصلة بنشاط المنظمة المجاورة . إذ كيف يمكن الدفاع بفعالية عن حق اللجوء دون رؤية إجمالية للوضع بالعالم الثالث ؟ وكيف الحفاظ على وعي طبقي ، وعدم الارتهان برب العمل توخيا لصون فرص العمل في المصنع على حساب عمال البلد المجاور ، دون الانفتاح على النقاشات العالمية ؟ و كيف تصون منظمة غير حكومية استقلالها دون المطالبة ، مع جمعيات أخرى في بلدها ، بما تدعو إليه في بلدان بعيدة من عدالة اجتماعية ؟
كيف يمكن تحقيق انتصارات على الإقصاء والبطالة دون حوار مع الحركة النقابية؟
يتشكى كثيرون من تلاشي المخاطبين المتزايد : لم يعد المطلوب مواجهة رب العمل المحلي بل مجلس إدارة شركة متعددة الجنسية او صندوق معاشات مالك لأكبر حصة اسهم في المنشأة، وليس المطروح التصدي لخطط السلطة العمومية القومية بل لخطط مجلس وزراء الاتحاد الأوربي او مجموعة 8 الكبار. أكيد ان المرحلة تستدعي تكيفا. لكن القوة اللازمة للاستغناء عن هؤلاء الذين يدعون ان لا مناص منهم هي نفسها تضاعفت كمونا عشرات ومئات المرات . والمهم هو الوعي بذلك وبوجه خاص امتلاك الإرادة السياسية لبذل القصارى لتنظيم تلك القوة الكامنة .ومن المهم التأكيد أن إرادة سياسية لا تستتبع ديكتاتورية داخلية : على العكس يكمن غنى الحركات الاجتماعية في تنوعها وتعددها . ويجب ضمان هذا الغنى بشكل كامل باحترام أوسع ديمقراطية بين مكونات الحركة .
عقبات وأشكال تنظيم جديدة
تتجلى أزمة تمثيل للحركة العمالية على الصعيد العالمي في أزمة تمثيلية أحزاب اليسار والحركة النقابية . وشيئا فشيئا تتضائل قدرة هذه الأخيرة على ضمان الدفاع عن مصالح العمال واسرهم . كما لا يقنع خطها باقي الحركات الاجتماعية بالتكتل حولها . وتخترق علامات أزمة بارزة المنظمات غير الحكومية التي شهد بعضها في سنوات 1970 تجذرا يساريا. و سقط عدد كبير منها في فلك حكوماتها وفلك المنظمات الدولية ( البنك العالمي والأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية )
وتمتزج أزمة التمثيلية بشك عميق حول المشروع التحرري . إذ فقد المشروع الاشتراكي الاعتبار بشكل كبير بفعل التجارب البيروقراطية لما سمي بالمعسكر الاشتراكي في الشرق وبفعل تواطؤ اشتراكيي الغرب مع رأسماليي بلدانهم .
وتستمر في نفس الوقت التعبئات وحتى تتجذر . وتظهر أشكال وعي وتنظيم جديدة مؤقتا دون النجاح لحد الساعة في صياغة مشروع جديد متماسك . لكن لا يجوز الاستهانة بجذريتها الكامنة .
طبعا ستكون الحصيلة ثقيلة عند جرد قائمة اخفاقات الحركات الاجتماعية في السنوات الأخيرة. لكن تاريخ النضالات التحررية لا يمر عبر مجرد حساب للاخفاقات والانتصارات .
هل يمكن أن تفضي الأزمة التي تجتازها الحركات الاجتماعية بمختلف أشكالها الى دورة جديدة من التراكم الإيجابي للتجارب وللوعي ؟ تدفع أحداث السنوات الأخيرة نحو تفاؤل حذر وتقنع بضرورة غير مسبوقة لتجاوز موقف التفرج .
تستبسل أقلية من الماسكين بالقرار لتجريد الشخصية الإنسانية من حقوقها الأساسية قصد اختزالها في «مورد» ، واستبدال المجتمع بالسوق ، واختزال معنى العمل من خالق للقيمة الى بضاعة، واستبدال الشأن الاجتماعي بالنزعة الفردية ، ومصادرة السياسة قصد تفويض مهمة تحديد الأولويات الى الرأسمال وسباقه نحو الربح الآني ، ومصادرة الثقافة لتحويلها الى نمط حياة « عديم الأصالة » . لقد آن الأوان ، بالنسبة لملايين الأشخاص وعشرات آلاف المنظمات المناضلة ، لتعلم الحياة سويا بالاعتراف بالتكامل الواقعي لمشاريعهم وبارتباطها وتنظيم وتعزيز عولمة قوى ( إعادة ) بناء مستقبلنا بشكل جماعي وإذاعة الحكاية المتضامنة لهذا العالم .
لقد آن الأوان.
----------------------------------