|
أزمة الديون وبرامج التقويم الهيكلي |
|
16/06/2007 |
|
أزمة الديون وبرامج التقويم الهيكلي بقلم اريك توسان رئيس اللجنة من اجل الغاء انطلاقا من سنوات 1980 جرى ، سواء في بلدان العالم الثالث او الشرق او البلدان الصناعية ، استعمال أزمة الديون العمومية بكيفية ممنهجة لفرض سياسات تقشف باسم التقويم . فقد اتهمت الحكومات القائمة سابقاتها بالعيش في مستوى يفوق إمكاناتها باعتمادها السهل على الاقتراض وبررت بدلك لجوءها الى " تقويم " للنفقات العمومية والاجتماعية بوجه خاص كما لو تعلق الأمر بتقويم حزام بشده درجات إضافية . فيما يخص بلدان العالم الثالث والشرق بدأ النمو الهائل للديون العمومية في نهاية سنوات 1960 وأفضى الى أزمة تسديد انطلاقا من 1982 . ولهده الاستدانة مسؤولون وهم موجودون أساسا في البلدان الأكثر تصنيعا : البنوك الخاصة والبنك العالمي وحكومات دول الشمال التي سلفت مئات ملايير الاورودولارات والبترودولارات . لاجل استثمار فوائضهم من الرساميل والبضائع قام هؤلاء الفاعلون بمنح قروض بمعدلات فائضة منخفضة جدا . وعلى هدا النحو تضاعفت الديون العمومية لبلدان العالم الثالث والشرق اثني عشر مرات فيما بين1968 و1980 . وفي البلدان الصناعية أيضا ارتفعت الديون العمومية بشكل كبير في سنوات السبعينات لما حاولت الحكومات مواجهة نهاية " العقود الثلاث المجيدة " لما بعد الحرب باعتماد سياسات كينزية لإنعاش الآلة الاقتصادية . وبدأ منعطف تاريخي في 1979 -1980-1981 بوصول تاتشر وريغان الى السلطة وقيامهما بتطبيق واسع النطاق للسياسات التي يدعو إليها الليبراليون الجدد .  بدء ريغن وتاتشر برفع معدلات الفائدة بشكل كبير مما أجبر السلطات العمومية المستدينة على تحويل مبالغ طائلة جدا لفائدة المؤسسات المالية الخاصة . ومند ئد شكل تسديد الدين العمومي اوالية قوية على المستوى العالمي لامتصاص قسم من الخيرات التي ينتجها العمال وصغار المنتجين لفائدة الرأسمال المالي . وشكلت هده السياسات التي يدعو إليها الليبراليون الجدد بداية هجوم للرأسمال ضد العمال . وبضغط الديون بدأت السلطات العمومية تقلص النفقات الاجتماعية ونفقات الاستثمار لاعادة " التوازن " الى الحسابات ثم لجأت الى قروض جديدة لمواجهة ارتفاع معدلات الفائدة . : إنها " كرة الثلج " الشهيرة التي عاشتها ربوع الكرة الأرضية خلال سنوات الثمانينات أي الارتفاع الآلي للديون بسبب الأثر المركب لمعدلات الفائدة المرتفعة والقروض الجديدة الضرورية لتسديد القروض السابقة . ولأجل تسديد الديون العمومية استعملت الحكومات بشكل كبير الضرائب التي تم تغيير بنيتها بشكل تراجعي خلال سنوات 1980-1990 : انخفضت اغلب المداخيل الجبائية الناتجة عن الاقتطاع من مداخيل الرأسمال بينما ارتفع قسط الضرائب المفروضة على العمال من جهة وعلى الاستهلاك الجماهيري عبر تعميم الضريبة على القيمة المضافة ورسوم الإنتاج من جهة أخرى . باختصار تأخذ الدولة من العمال والفقراء لتعطي للأغنياء وللرأسمال : انه بالضبط نقيض سياسة إعادة التوزيع المفروض أن تشكل الانشغال الأول للسلطات العمومية … ان أزمة الديون في سنوات 80 وثيقة الارتباط بسيرورة نزع التقنين التي تدير العولمة الليبرالية الجديدة . وفعلا صاحب الارتفاع الهائل للديون العمومية من نهاية سنوات 60 الى بداية سنوات 80 نمو سوق " الاورودولار " أي إحدى المراحل الأولى لنزع تقنين النظام النقدي العالمي واسواق العملات . الرهانات الاستراتيجية للتقويم الهيكلي في بلدان المحيط ( البلدان التابعة ) بدأ تطبيق سياسات التقويم الهيكلي في بلدان المحيط مباشرة بعد انفجار أزمة الديون في غشت 1982 . ومثل دلك استمرارا بشكل جديد لهجوم بدأ قبل 15 سنة . مادا كانت رهانات هدا الهجوم ؟ بالنسبة لاستراتيجيي حكومات الشمال والمؤسسات المالية متعددة الأطراف التابعة لها ، بدءا بالبنك العالمي ، كان من الضروري للغاية الرد على التحدي المتمثل في فقد السيطرة على قسم متزايد من بلدان المحيط ( البلدان التابعة): ففي سنوات الاربعينيات الى سنوات الستينيات تواصل استقلال البلدان الأسيوية والأفريقية وتوسعت الكتلة الشرقية بأوربا وانتصرت الثورات الصينية والكوبية والجزائرية وظهرت سياسات شعبوية وقومية طبقتها أنظمة رأسمالية تابعة - من البيرونية في الأرجنتين الى حزب المؤتمر الهندي مرورا بالقومية الناصرية -. باختصار تطورت حركات ومنظمات جديدة على المستوى العالمي مشكلة خطرا على سيطرة القوى الرأسمالية الكبرى . وتمثل القروض الكبيرة الممنوحة ابتداء من النصف الثاني من الستينيات لعدد متزايد من بلدان المحيط ( بدءا بالحلفاء الاستراتيجيين ككونغو موبوتو واندنوسيا سوهارتو و برازيل الديكتاتورية العسكرية وصولا الى بلدان كيوغوسلافيا والمكسيك ) مادة مزيتة لاوالية كبيرة لاستعادة السيطرة . وتهدف هده القروض الموجهة الى تخلى تلك البلدان عن سياستها القومية وربطا أقوى لاقتصاديات المحيط بالسوق العالمي الدي يسيطر عليه المركز . كما يتعلق الأمر أيضا بتأمين تزويد اقتصاديات المركز ( البلدان الرأسمالية الصناعية) بالمواد الأولية والمحروقات . وكان الهدف المتوخى من خلال خلق تنافس بين بلدان المحيط وحفزها على " تعزيز نموذجها التصديري " هو خفض أسعار المواد التي تصدرها وبالتالي خفض تكاليف الإنتاج في الشمال ورفع معدل الربح . كما يتعلق الأمر، في سياق تنامي نضالات تحرر الشعوب والحرب الباردة مع الكتلة الشرقية ، بتعزيز منطقة تأثير البلدان الرأسمالية الرئيسية . طبعا لا يمكن ان نقول ان البنوك الخاصة والبنك العالمي وحكومات الشمال نظمت مؤامرة . لكن مع دلك لم تكن السياسات المتبعة من طرف البنك العالمي واهم حكومات البلدان الصناعية في مجال القروض للبلدان التابعة خالية من طموحات استراتيجية كانت الأزمة المندلعة في 1982 نتيجة للأثر المركب لانخفاض أسعار المنتجات المصدرة من بلدان المحيط نحو السوق العالمي ولانفجار معدلات الفائدة . فبين عشية وضحايا اصبح واجبا تسديد اكثر بمداخيل اقل . هدا هو مصدر الاختناق . فأعلنت البلدان المستدينة أنها تواجه صعوبات في الأداء . وفورا رفضت البنوك الخاصة في المركز منح قروض جديدة وطالبت بتسديد القديمة . وقدم صندوق النقد الدولي واهم البلدان الرأسمالية المصنعة قروضا جديدة لتتيح للبنوك الخاصة استعادة قروضها ولمنع توالي إفلاس البنوك . مند هده الحقبة وصندوق النقد الدولي ، المدعوم من البنك العالمي ، يفرض برامج تقويم هيكلي . وكل بلد مستدين يرفض تطبيق التقويم الهيكلي يكون مهددا بوقف قروض صندوق النقد الدولي وحكومات الشمال . و يمكن التأكيد دون خشية الوقوع في الخطأ أن الدين اقترحوا على بلدان المحيط وقف تسديد ديونها وتشكيل جبهة للبلدان المستدينة كانوا على حق . فلو كونت بلدان الجنوب تلك الجبهة لتمكنت من فرض شروطها على الدائنين . وباختيارها طريق التسديد تحت إهانات صندوق النقد الدولي تكون بلدان المحيط قد حولت لفائدة الرأسمال المالي ما يعادل عدة خطط مارشال . وأدت سياسات التقويم الى التخلي التدريجي عن عناصر أساسية من السيادة الوطنية مما أفضى الى تبعية البلدان المعنية للبلدان الصناعية وشركاتها متعددة الاستيطان . ولم يتمكن أي من البلدان المطبقة للتقويم الهيكلي من الحفاظ المستديم عن معدل نمو مرتفع . ومع دلك تزايدت أشكال التفاوت الاجتماعي . ولا يوجد ضمن البلدان " المقومَة " أي استثناء . وتروم القروض التي قدمها صندوق النقد الدولي مند 1982 ثلاثة أهداف : وضع الإصلاحات البنيوية التي يفرضها التقويم 2) ضمان تسديد الدين 3) تمكين البلدان المستدينة تدريجيا من الاستفادة من القروض الخاصة عبر الأسواق المالية . ما مضمون هدا " التقويم" ؟ " يتضمن التقويم الهيكلي نوعين كبيرين من الإجراءات . الأولى إجراءات صدمة ( بشكل عام تخفيض قيمة العملة ورفع معدلات الفائدة داخل البلد المعني ) والثانية إصلاحات هيكلية ( خوصصة واصلاح جبائي ، الخ ) وقد بلغت تخفيضات قيمة العملة التي يفرضها صندوق النقد الدولي معدلات من 40 الى 50 بالمائة . وهي تهدف الى جعل صادرات البلدان المعنية اكثر قدرة على المنافسة بشكل يسمح برفع مداخيل العملة الصعبة الضرورية لتسديد الدين . ولها ميزة أخرى من وجهة نظر مصالح صندوق النقد الدولي والبلدان الصناعية ، تتمثل في خفض أسعار المواد المصدرة من بلدان الجنوب . ولها بالنسبة لهده الأخيرة نتائج سلبية اكثر : إنها تؤدي الى انفجار أسعار المواد المستوردة الى أسواقها الداخلية وتضعف الإنتاج الداخلي . . وهكذا لا ترتفع تكاليف إنتاجها فحسب ، سواء في الزراعة او الصناعة او الحرف ، ودلك بقدر استعمالها لمواد مستوردة بعد التخلي عن السياسات "المتمركزة حول الذات " ، بل ان القدرة الشرائية لأوسع جماهير المستهلكين تجمد ( يرفض صندوق النقد الدولي كل ربط للأجور بالأسعار ) كما ان خفض قيمة العملة يؤدي الى تفاقم التفاوت في توزيع الدخل اد ان الرأسماليين المتوفرين على السيولة النقدية يحرصون على شراء العملة الصعبة قبل خفض العملة المحلية .وهكذا فان قيمة السيولة النقدية لديهم تتضاعف عند خفض العملة ب50 بالمائة . أما سياسة معدلات الفائدة المرتفعة فلا تؤدي من جهتها سوى الى مفاقمة الانحسار الداخلي : الفلاح او الصانع الحرفي الدي يتعين عليه الاقتراض لشراء المواد الضرورية لانتاجه يتردد في الإقدام على دلك او يقلص إنتاجه بفعل نقص في الإمكانات . وعلى العكس يزدهر الرأسمال الريعي . ويبرر صندوق النقد الدولي هده المعدلات بأنها ستستقطب الرساميل الأجنبية التي يحتاجها البلد . والواقع أن الرساميل التي تجذبها هده الممارسات رساميل طيارة تتجه الى بلدان أخرى عند مواجهة أدنى مشكل أو ظهور فرص ربح افضل . ومن إجراءات التقويم الأخرى الخاصة ببلدان المحيط : إلغاء الإعانات التي تقدمها الدولة لبعض المواد والخدمات الأساسية والإصلاح الزراعي المضاد . ففي اغلب بلدان العالم الثالث تم دعم المواد الغذائية الأساسية ( الأرز و الخبز …) للحيلولة دون ارتفاع كبير لاسعارها . وتلك أيضا في الغالب حال النقل الجماعي والكهرباء والماء . ويطلب صندوق النقد الدولي والبنك العالمي بشكل ممنهج إلغاء هدا الدعم مما يؤدي الى إفقار الأكثر فقرا والى انفاضات جوع أحيانا . أما في مجال ملكية الأرض فيقوم صندوق النقد الدولي والبنك العالمي بهجوم طويل النفس يرمي الى القضاء على كل أشكال التملك الجماعي . وهكذا حصل على تغيير فصل من دستور المكسيك يحمي الأملاك الجماعية . وتمثل خوصصة الأراضي الجماعية او أملاك الدولة في جنوب الصحراء الأفريقية أحد الاوراش الكبيرة التي تشتغل فيها هاتان المؤسستان . إجراءات تقويم مشتركة بين الشمال والجنوب : ثمة إجراءات تطبق في العالم برمته بمقادير متفاوتة حسب موازين القوى الاجتماعية ومنها : تقليص دور القطاع العام في الاقتصاد وخفض النفقات الاجتماعية والخوصصة والإصلاح الجبائي لصالح الرأسمال ونزع تقنين سوق الشغل والتخلي عن اوجه أساسية في سيادة الدولة وإلغاء مراقبة الصرف وتشجيع ادخار المعاشات بالرسملة ونزع تقنين المبادلات التجارية وتشجيع عمليات البورصة … ومن المثير انه من مالي الى انجلترا ومن كندا الى البرازيل ومن فرنسا الى التايلاند ومن الولايات المتحدة الأمريكية الى روسيا ثمة تشابه وتكامل بين سياسات " التقويم الهيكلي" بالمحيط وما يسمى سياسات " التطهير " و" التقشف" و" التلاقي " بالمركز . وفي كل مكان كانت أزمة الديون العمومية مبررا لهده السياسات . وفي كل مكان يمثل تسديد الدين العمومي آلة جهنمية لتحويل الخيرات لصالح مالكي الرساميل . يلخص فرنسوا شينيه الوضع ببضع جمل :" ان أسواق سندات الدين العمومي ( أسواق السندات العمومية ) التي أقامتها أهم البلدان المستفيدة من العولمة المالية و وفرضتها لاحقا على باقي البلدان (دون مصاعب كثيرة في الغالب)هي حسب صندوق النقد الدولي نفسه " حجر زاوية " العولمة المالية . وبلغة واضحة ، إنها بوجه الدقة اصلب اوالية وضعتها الليبرلة المالية لنقل الخيرات من بعض الطبقات والشرائح الاجتماعية الى أخرى ومن بعض البلدان الى أخرى . ان الهجوم على أسس القوة المالية يستدعي تفكيك هده الأواليات وبالتالي إلغاء الدين العمومي ، ليس فقط دين البلدان الفقيرة بل أيضا دين كل بلد ترفض قواه الاجتماعية الحية استمرار الحكومة فرض التقشف في الميزانية على المواطنين باسم تسديد فوائد الدين العمومي " تشكل برامج التقويم الهيكلي وغيرها من برامج التقشف آلة حرب ترمي الى تدمير كل اواليات التضامن الجماعي ( من الأملاك الجماعية الى أنظمة التقاعد التوزيعية ) والى إخضاع كل مجالات الحياة البشرية لمنطق الربح . ان المدلول العميق لسياسات التقويم الهيكلي هو الإلغاء الممنهج لكل العقبات التاريخية والاجتماعية أمام الانتشار الحر للرأسمال بما يتيح له مواصلة منطقه القائم على الربح الآني كيفما كانت الكلفة الإنسانية والبيئية . يجب إنجاز القطيعة مع هدا المنطق والتخلي عن سياسات التقويم الهيكلي أينما يجري تطبيقها و إعادة بناء جملة أواليات لمراقبة الرأسمال بكيفية تعطي الأسبقية للإنسانية . من هنا تنبع أهمية تأسيس جماعي بفضل التضامن شمال - جنوب وشرق -غرب لشبكات نضال مواطنة جديدة . ويمكن ان تفضي أشكال المقاومة العديدة التي يقدمها هدا الكتاب الى مشروع تحرري جديد . يوليوز 2000
|